يحيي بن حمزة العلوي اليمني
6
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
ولنقتصر على هذا القدر في التمثيل ففيه كفاية ، فينحلّ من مجموع ما ذكرناه مفارقته للتشبيه بما أشرنا إليه ، وأنه نوع من أنواع الاستعارة ، على أن الاستعارة في المفرد والمركب كما مهدناه من قبل ، بخلاف التمثيل ، فإنه إنما يرد في المركب من الكلام كما أوضحناه في هذه الأمثلة . تنبيه اعلم أن أرباب البلاغة وجهابذة أهل الصناعة مطبقون على أن المجاز في الاستعمال أبلغ من الحقيقة ، وأنه يلطف الكلام ويكسبه حلاوة ، ويكسوه رشاقة ، والعلم فيه قوله تعالى : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [ الحجر : 94 ] وقوله : وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً [ الأحزاب : 46 ] فلو استعمل الحقائق في هذه المواضع ، لم تعط ما أعطى المجاز من البلاغة ، وهكذا فإن الاستعارة أبلغ مما يظهر فيه التشبيه ؛ لأن قولك : جاءني أسد . أبلغ من قولك : زيد كالأسد . لأنك جعلته في الأول نفس الأسد وفي الثاني ليس إلا مشابهه لا غير ، فأما الكناية ، والتمثيل ، فهما نوعا من أنواع الاستعارة ، والاستعارة أعم فيهما كما أوضحناه من قبل ، لكن الكناية مؤدية للحقيقة ، والمجاز ، بخلاف الاستعارة ، والتمثيل ، من حقه أن يرد في المركبات ، فلأجل هذا كانا جميعا . أعنى الكناية والتمثيل . أخص من الاستعارة ، وقد نجز غرضنا من تقرير الباب الأول وهو حصر قواعد المجاز ، وإظهار أمثلتها وأحكامها ، وأشرع الآن في الباب الثاني مستعينا بالله ومتوكلا عليه .